الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

149

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ذلك في كلام قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه بحيث كلما ازداد المتدبر تدبرا انكشفت له معان لم تكن بادية له بادئ النظر . وأقرب مثل للتدبر هنا هو ما مر آنفا من معاني قوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا إلى قوله : أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ ص : 27 ، 28 ] ، وتقدم عند قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ في سورة النساء [ 82 ] . وقرأ الجمهور : لِيَدَّبَّرُوا بياء الغيبة وتشديد الدال . وأصل « يدبروا » يتدبروا ، فقلبت التاء دالا لقرب مخرجيهما ليتأتى الإدغام لتخفيفه وهو صيغة تكلف مشتقة من فعل : دبر بوزن ضرب ، إذا تبع ، فتدبّره بمنزلة تتبّعه ، ومعناه : أنه يتعقب ظواهر الألفاظ ليعلم ما يدبر ظواهرها من المعاني المكنونة والتأويلات اللائقة ، وتقدم عند قوله تعالى : أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ في سورة المؤمنين [ 68 ] . وقرأ أبو جعفر لتدبروا بتاء الخطاب وتخفيف الدال وأصلها : لتتدبروا فحذفت إحدى التاءين اختصارا ، والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ومن معه من المسلمين . والتذكّر : استحضار الذهن ما كان يعلمه وهو صادق باستحضار ما هو منسي وباستحضار ما الشأن أن لا يغفل عنه وهو ما يهمّ العلم به ، فجعل القرآن للناس ليتدبروا معانيه ويكشفوا عن غوامضه بقدر الطاقة فإنهم على تعاقب طبقات العلماء به لا يصلون إلى نهاية من مكنونه ولتذكرهم الآية بنظيرها وما يقاربها ، وليتذكروا ما هو موعظة لهم وموقظ من غفلاتهم . وضمير « يدبروا » على قراءة الجمهور عائد إلى أُولُوا الْأَلْبابِ على طريقة الإضمار للفعل المهمل عن العمل في التنازع ، والتقدير : ليدبّر أولو الألباب آياته ويتذكروا ، وأما على قراءة أبي جعفر فإسناد « يتذكر » إلى أُولُوا الْأَلْبابِ اكتفاء عن وصف المتدبرين بأنهم أولو الألباب لأن التدبر مفض إلى التذكر . والتذكر من آثار التدبر فوصف فاعل أحد الفعلين يغني عن وصف فاعل الفعل الآخر . و أُولُوا الْأَلْبابِ : أهل العقول وفيه تعريض بأن الذين لم يتذكروا بالقرآن ليسوا من أهل العقول ، وأن التذكر من شأن المسلمين الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، فهم ممن تدبروا آياته فاستنبطوا من المعاني ما لم يعلموا ، ومن قرأه فتذكر به ما كان علمه وتذكر به حقا كان عليه أن يرعاه ، والكافرون أعرضوا عن التدبر فلا جرم فاتهم التذكر .